رسالة إلى الكبار فقط

 

بقلم: عيسى قراقع

وزير شؤون الأسرى و المحررين

                                                                         9-8-2011

استشهد الأسير المحرر وليد شعث، أتعبني موته مثلما أتعبني شقاؤه وصوته المنهك مرضاً وأمنياتٍ مكسورة، وكان يسألني الطريق إلى أين؟، في جسدي مرضٌ وأمامي لا وضوح وآثار موتٍ أراه واقفاً يناديني.

 

أكتب للكبار، الأسرى الذين سقطوا والذين لم يسقطوا بعد، هم هنا وهم هناك وما بين بين، تفاصيل أجسادهم صرت أعرفها، وأحلامهم المحفورة في وجوه أمهاتهم وأطفالهم بتّ أحفظها، ومن بيتٍ إلى بيت تكبر فيّ العبارة والصرخة، ومن العجز أن تصرخ دون أن تفتح باباً أو تسقط جداراً، وياله من خريفٍ يومي إلى زمنٍ ذابلٍ وشجن.

 

رسالتي إليهم فقط، المحمولون على جناح أسطورةٍ زمناً طويلاً، قبل أن أولد وقبل أن أحيا، يعيشون كأنهم مخلدين، ويموتون كأنهم مخلدين، لا يعيروننا سوى أسمائهم وأثوابهم وكلمات في الاحتفالات المتقشفة.

 

أجلس مع أم الأسير المعاق أشرف أبو ذريع، أمٌ لستة معاقين لم تبك أمامي، لم تشرح لي كيف اعتقلوا أشرف بواسطة رافعة جهاز آلي وقد مزقوه ورموه في السجن، واكتشفوا أن في إعاقته خطراً على دولة إسرائيل، وفي دمه فصيلة لون مرعبة.

 

أجلس لأكتب عن الطفلة أسيل قيسية المصابة بالسرطان، تنتظر والدها، لا تحتاج إلى دواء ولا هواء، تحتاج إلى أبٍ يودّعها أو يشفيها، أو يحملها ويقول لها: كم أنت جميلة يا ابنتي.

 

وفي قرية بئر الباشا سمعت ثم سمعت ثم انفجرت، كل أسراها مزّقت أجسادهم بالرصاص، وكل أسراها أشقاء مشتتين في السجون، أمهاتهم صلباتٌ عنيدات، فكيف أصف أماً تضيء زيت القناديل وتكون مصدر صوت الكلمات.

 

هم الكبار الذي ضاعت حياتي في حياتهم، أدور عليهم سجناً سجناً، لست باحثاً لأكتب عن عزلهم أو مرضهم، ولست نبياً لأبشرهم بما سيبوح به الغد، لا أستطيع سوى أن أكون معهم في حياة مبهمة، وداخل ضبابٍ لم يعثر عليه أي طقسٍ في القرن الواحد والعشرين.

 

أنتبه جيداً وأنا أسأل هذا الوطن لنا أم لهم، وهذي القدس ندبةً في جرحنا أم في جرحهم، لا أستطيع أن أتحدث لهم عن السلام من فرط ما هو قاسٍ ومغلق لا يروّض بحمامةٍ أو سرجٍ ولا لجام.

 

أكتب لهم عن أرضٍ حقيقية تنتظرهم أن يعودوا لها سالمين، يتخلصون من التهلكة، يدخلون إليها من باب الفجر وليس من باب المستوطنة، أحاول أن أجعل من الهباء شيئاً ملموساً لأطمئن نفسي أني أعمل شيئاً لهم قبل أن يمتليء قلبي بالصدى وضجيج الفراغ.

 

لا يمكن أن تكتب نصاً وتغادر وتصير رجلاً لا مبالي قبل أن توفر قدمين للأسير منصور موقدة، المشلول في سجن الرملة، وقلباً آخر للأسير رياض العمور كي يدقّ، وساقاًً قوية للأسير ناهض الأقرع كي يمشي، وصوتاً للأسير أحمد النجار كي ينطق ويقفز عن منطقة السرطان في الحنجرة.

 

لا يمكن أن تكتب عن الأسير أكرم منصور لأن في رأسه ورماً ينادي عليه ليل نهار، ينام موجوعاً ويستيقظ موجوعاً، لا مبضع ينهي الألم ولا يد تفتح باب سجن عسقلان.

 

لا يمكن أن تكتب عن الأسير خالد الشاويش بعد أن تخّدر جسمه بالمسكّنات، لا يشعر بك إذا اقتربت، ولا يشعر بك إذا ابتعدت، فالوقت تأخر في اللازمان.

 

وعندما فقد الأسير مناضل شرقاوي الذاكرة أوجعنا، لأنه لم يعد يعرف متى وصلنا ومتى غادرنا نشيدة عقله المصادرة.

 

وعندما خلع الأسير الطيار كفاح حطاب لباس السجن وأعلن أنه أسير حرب  محلقا في هواء القانون الدولي لم يتقدم أحد ليطفئ نار الحرب في عظامه وزنزانته الموصدة.

 

وعندما نجحت الطالبة ساندي في امتحانات الثانوية العامة، تفوّقت على الجهات الأربع، وحررت والدتها قاهرة من السجن قليلاً كي تزغرد على سطح الليالي المعتمة، كأنها كانت تفتّش عن حليب الحمامات في نواحي الهديل.

 

أكتب للكبار الذين أراهم صوراً على الحيطان وفي التظاهرات يلمعون ويشعّون، يرقدون في زاوية البيت ممتلئين بالأمنيات التي أذكرها دائماً، وأسأل هل سيبقى تاريخنا تاريخ حنين ولجوءٌ إلى الذكريات، فأتنقّل من زيارةٍ إلى أخرى كأني في شهوة ينقصني من يدفعني للاحتراق أو الطيران.

 

أكتب للكبار، ربما أستطيع أن أضع مقلةً للأسير الكفيف علاء البازيان، فيرى بكائي قبل أن يعود إلى العتمة يقدح فيها صوراً تسيل زيتاً ودماً على قباب القدس وآياتها المحكمات.

 

لا نحتاج إلى من يفسرنا أكثر، نمر من كل المحافل والتقارير والحكايات، في الزفة والجنازة والنوم، وقد صارت كل المناسبات على مدار السنة تذكرنا، فهل يقترب البعيد وينته العام دون اشتباك مع السجّان والليل، يتوقف العدّ والتقويم والتأويل والانتظار المطلق.

 

أن يبقى الأسير سامي يونس في السجن بعد ثمانين عاما  من عمره وثلاثين عاماً خلف القضبان، هذا يعني أنه علينا أن نعتذر عن سيرتنا ونعدّل الحبكة ونعود إلى الأسئلة البدائية حول علاقة الفكرة بالواقع، وعن مدى قدرة الروح الإنسانية العودة إلى الإرادة الضرورية لمواصلة السير الشاق نحو الغد.

 

أن تسقط في المسافة الجامدة وتنقطع عن الزمن المتحرك، وتخرج من المشهد المأساوي دون أن تتحوّل إلى مشهد عادي، يعني أن البطولة ليس لها حدوداً ورئتين للتنفّس ومكاناً تستريح به من ليلة حربٍ قادمة.

 

أكتب لكم أيها الكبار، لأني أعيش معكم بين الافتراضات الغامضة، اليوم تبدأ مفاوضات وأنتم جزء أساسيٌ منها، وغداً ندخل تسوية سياسية لا بدّ أن تشملكم دون تمييز، وربما تنجز صفقة التبادل لتتحرروا من غيابكم، ولكني تعبت في خلق علاقة سليمة بين الإطار والمحتوى، بين الشكل والمعنى، فأتوه بين الافتراضات وأنا أبحث عن عكازين في مشروع الرحيل الملحمي.

 

أكتب للكبار فقط، لا تصدقوا غير خاطرةٍ جافّة في ربيع مجازيٍّ وصيفٍ طويل، ولا تحلموا إلا بما تحلموا كي لا يهيّج الحلم حنيناً آخر يستفزّ الجنود خلف الأسلاك، لا تصدّقوا غير أياديكم المقيّدة ترفع أربعين عاماً عالياً عالياً لترشدنا إلى صوت القيامة التي تأخرت عن موعدها.

 

نحملكم أسماءاً وخطىً وأسئلةً ونتجاوز بكم السموات والأرض، نمرّ بين الواقعي والخرافي، بين الزمني والروحي، بين الزائل والدائم، بين الحرب والسلام، ولكني أتوقف أمام أمٍّ تطلب مني أن تزور ابنها في سيارة الاسعاف قبل أن تموت على المفترق مدماةً بالأمل.

 

أيها الكبار: لا تعلمونا أن نجيد لعبة الكلمات والشعارات لتصيروا روتيناً وجزءاً من يقايا الضحية لأغراض البكاء وإثبات الحياة في زحام البحث عن معنى خارجها، لا شيء يا أصدقائي يستحق الكلام سوى حقكم في الحياة ذاتها دون مبالغاتٍ في السحر والبطولة وتعذيب المكان.