قصص وحكايات – الجزء الثاني

 

الأسيران نائل وعمر البرغوثي يلتقيان أمهما خلف القضبان

في ساعة وداع أخيرة

احمد عوض كميل ينهي عامه الثاني عشر خلف القضبان..
ابناؤه : الى متى سيبقى الاحتلال يفرض علينا ان نعيش بلا أب؟!

 الحاجة أم إبراهيم تعيش ساعات يومها، حزينة على الراحلين، وقلقة على حياة الأبناء المعتقلين، وتخشى من أن انقضاء العمر، ولم تنعم بضم الأحباب

 

 

الأسيران نائل وعمر البرغوثي يلتقيان أمهما خلف القضبان

في ساعة وداع أخيرة

رام الله ـ خاص

منذ أسبوعين تقريباً، أدخلت الحاجة فرحة البرغوثي " أم عمر" من قرية "كوبر" شمال رام الله، إلى قسم العناية المركّزة في مستشفى الشيخ زايد برام الله، وبعد جملة من الفحوصات والتحاليل، أخبر الأطباء عائلتها أن "كل شيء بيد الله،لم يعد أمام الحاجة سوى أيام"، واختصر الأطباء الأسباب في أن الحاجة فرحة البالغة من العمر (74 عاماً) "كبيرة عائلة البرغوثي في "كوبر"، وأم كل الأسرى" كما يسميها البعض، تعاني من مشاكل صحية عديدة، أخطرها وجود مياه على الرئة، وهبوط في دقات القلب، إضافة إلى تدهور في وظائف الكبد أدى إلى حدوث تشمع كبدي، وانتفاخ في البطن.

معاناة الحاجة فرحة كان من الممكن أن يطويها النسيان لولا وجهين من وراء القضبان ظلا يلوحان أمامها بين صحوها وغيبوبتها، "نائل وعمر.. بدي أشوفهم قبل ما أموت" ظلت تلح بالقول.

اعتقل ولدها الأصغر نائل، في الرابع من نيسان/أبريل عام 1978، برفقة شقيقه الأكبر عمر وابن عمه فخري بعد أن اتهموا بالقيام بعملية فدائية في منطقة النبي صالح شمال رام الله أدت إلى مقتل طيار صهيوني، وحكم عليهم جميعاً بالسجن مدى الحياة، ومنذ سبعة وعشرين عاماً فشلت كل اتفاقيات الهدنة والمفاوضات وصفقات التبادل في أن تعيد الأسيرين إلى أحضان أمهما أو فخري الذي لا يناديها سوى" أمي الحاجة فرحة" بعد أن فقد أمه بينما كان صغيراً، وكانت في كل مرة تعود من استقبال المحررين من الأسرى بخفين من دمع وألم.

وكان عمر " أبو عاصف" ابنها الأكبر قد أطلق سراحه عام 1985 بعد ثمانية سنوات قضاها في الأسر، ولكن أعيد اعتقاله لاحقا لمدة 40 شهراً تحت الاعتقال الإداري، ومن ثم لثلاثة سنوات ونصف أخرى، وقبل أقل من عام ونصف التحق عمر مرة أخرى بركب أخيه في سجن "عسقلان"، وما زال حتى الآن ينتظر حكماً لا يبدو أنه سيكون قصير الأمد.

"سأرى نائل وعمر..سأراهم"

قررت العائلة الخوض في محاولة يائسة وأخيرة قبل أسبوع من أجل أن يسمح للحاجة فرحة بزيارة أخيرة ترى فيها عمر ونائل قبل أن تفقدهم إلى الأبد، تقول ابنتها الوحيدة حنان (40 عاماً): "قمنا بالاتصال بالصليب الأحمر ووزير شؤون الأسرى في السلطة الفلسطينية سفيان أبو زايدة والوزير قدورة فارس ونقلنا إليهم رجاء الوالدة، علهم يستطيعون استصدار تصريح لها من أجل زيارة ولديها، حيث أنها منعت منذ أكثر من ست سنوات من زيارة نائل بسبب كونها مرفوضة أمنياً!!"، بعد أيام كانت الاستجابة بمثابة اكتمال الحلم بالنسبة للحاجة فرحة، وظلت تدعو وتبارك لمن سار في قضية زيارتها لأبنائها.

تقول حنان البرغوثي: "لم تنم والدتي ليلة الأربعاء الماضي، ظلت جالسة وكأن الحياة دبت فيها من جديد، "سأرى نائل، طول حياتي بتمنى أشوفهم الاثنين مع بعض قبل ما الله يوخد وداعته.. الله يفك أسرهم يا رب"، وتعيد وتكرر "سأرى نائل وعمر..سأراهم".

الرحلة

صباح الثالث عشر من نيسان/أبريل فلسطيني مزهر، كانت الترتيبات قد انتهت من أجل زيارة خاطفة، تنتشل الحاجة فرحة من حسرتها بأن تموت قبل إطلالة ولو صغيرة على ولديها.

تقول نور عامر زوجة الأسير جاسر البرغوثي أحد أقارب الحاجة فرحة، والتي رافقت أم عمر إلى السجن بسبب حملها للبطاقة الزرقاء، "انتقلنا من مستشفى الشيخ زايد في سيارة إسعاف إلى حاجز "عوفرا" ومنها انتقلنا إلى سيارة إسعاف صهيونية، ومن ثم بدأت رحلتنا الحقيقية إلى "عسقلان" حيث نائل وعمر، واستغرقت الطريق قرابة الساعة كانت الحاجة فرحة خلالها قد اجتاحتها حالة فرح غريبة، لكنها ظلت خائفة ومذهولة كيف جرت الأمور، "يا رب أشوفهم قبل ما أموت"، ظلت تردد.

كان الأهل قد أوصوها بأن تصبر ولا تثقل عليهم كثيرا بالبكاء، تقول نور: "قلت لها إذا شعرت أنك لا تستطيعين الاحتمال ابكي كما تشائين، ولا تحملي نفسك فوق طاقتك"، وراحت الحاجة تقول: "اللهم صبرني عند رؤيتهم" وكانت تردد اسم نائل بشغف، إذ أنها منعت من زيارته منذ ست سنوات، بينما فارقها عمر إلى السجن منذ سنة ونصف.

 

عندما وصلت أم عمر ومرافقتها إلى سجن "عسقلان" كان وضعها الصحي قد تدهور، تقول نور: "راحت الحاجة تتنفس بطريقة صعبة بسبب انتفاخ الرئة الذي تعاني منه وبسبب طول المسافة، حتى أنها لم تعد تقوى على الحديث"، وعندما تم إنزالها من سيارة الإسعاف أخبروني أنه ممنوع مرافقتها للداخل، وحاولوا عرقلة دخولي بسبب كوني غير مسجلة للزيارة، وراحوا يحققون مع الحاجة إن كانت تستطيع التحرك وحدها بسبب وجود مياه في قدميها المنتفختين، ولم يسمح لي بالدخول إلا بعد التأكد من قبل مدير السجن أن أم عمر عاجزة عن الحركة، وبحاجة ماسة للمساعدة من أجل ذلك، ومن ثم طلبوا مني التخلي عن أية أغراض أحملها خاصة تلك المتعلقة بالأجهزة الخلوية من شرائح أو أجهزة شحن، وتأكدوا من أن الحاجة أم عمر أيضا لا تحمل أي شيء يمكن نقله لنائل وعمر، وأخبروني بالحرف الواحد "ستتعرضين لعقاب طويل" إذا ثبت بعد تفتيش نائل وعمر بعد الزيارة أنه أخذوا أي شيء منكما".

قبل نصف ساعة فقط..تم ابلاغهما

أدخلت أم عمر إلى الغرفة المعدة للزيارة، وقامت سلطات السجن بتوزيع قواتها على عدة غرف بهدف إرباك عمر ونائل الذين لم يعرفا بأمر الزيارة سوى الساعة الواحدة، أي قبل الزيارة بنصف ساعة، وكانت إدارة السجن قد أبلغتهما: "الوالدة ستأتي لزيارتكم وهي في وضع صحي صعب"، و"كنا قد طلبنا أن يحضروا فخري البرغوثي، وهو أيضا ابن عم نائل وعمر، ومن بين الأشخاص الذين تكفلت الحاجة فرحة بتربيتهم والاعتناء بهم، إلا أنهم رفضوا" تقول نور.

وقبيل إحضار نائل وعمر بدقائق تصاعد حماس الأم وراحت تقول: "نائل وعمر سأراهما" وتبكي، وكان مشهداً مؤثراً فينا جميعاً.  

"يا حبيبتي يما"

أخيراً حضر نائل وعمر، وكانت الصدمة بادية على وجوههما، تقول نور: "كانا يتوقعان أنها تستطيع المشي، وليست مجرد مريضة مشرفة على الموت ونائمة على سرير الإسعاف"، "يا حبيبتي يما"، صاح نائل، وبدأ يحتضنها ويقبلها، يرتمي في أحضانها وينام على يديها،لم يستطع الحديث، كان ينتحب، كل من كان في الغرفة راح يبكي"، نائل البرغوثي الذي راح في بكاء متواصل على يد أمه هو نفسه الذي تحدثت عنه الثورة على أنه أقوى الرجال شخصية وصلابة في المواقف،كانت العائلة قد قررت عدم تبليغ نائل وعمر بخبر تدهور الوضع الصحي للوالدة، وتم إخبارهم أنها "تعبانه بعض الشيء".

 

عندما استفاق نائل من ألم الشوق لوالدته، راح يحثها على الحديث لكنها لم تستطع سوى النطق باسمهما و"الحمد لله إني شفتكم"، راح يذكرها بأبيات شعرها التي اشتهرت بها، بالأرض والأشجار والحطب الذي كانت تجمعه من الجبل، "يا حبيبتي يما"، يكرر، كان قد أفلت الأمر من يده، فقام عمر وقال لهما: "صلوا ع النبي، شو صاير"، وقد كان أكثر المتماسكين، تقول نور: "لو طلب مني تكرار تلك الزيارة لن أقوم بها، لقد كان مشهداً مأساوياً لا ينسى".

غادرها قبل انتهاء الوقت

وقبيل انتهاء تلك الساعة التي حددتها إدارة السجن من أجل وداع لا يكفيه عمرٌ آخر، قبّل يدي أمه ورأسها وقدميها احتضنها بحرقة وداع مؤكد"، وخرج من الغرفة قبل انتهاء الزيارة، "رحت أنادي عليه...نائل.. نائل.."، تقول نور، إلا أنه لم يستجب، دفن وجهه في يديه وأسرع إلى الغرفة المجاورة حيث يتم احتجازه منذ أن أحضر من سجن "نفحة" إلى "عسقلان" كي يودع والدته، وداعاً أخيراً.

أوصل عمر "أبو عاصف" والدته إلى آخر نقطة سمح له بذلك، وانتهت الزيارة، وكأنهم عاشوا عمراً كاملاً في تلك الساعة،لم يكن هناك أسيران وأم في طريقها إلى الموت، كانا مجرد أشخاص أنهكهم تعب وشوق سنين.

في طريق العودة ساءت حالة أم عمر الصحية بسبب ضغطها على نفسها، "قلت لها ابكي يا عمتي، لقد حبستي نفسك كثيراً، فرغي عن حالك، إلا أنها كانت بين الصحو والغيبوبة لا تنطق سوى بكلمات الحمد لله على رؤيتها لنائل، وظلت تقول: "مش مصدقة"، كنت أنظر إليها وأقول لقد انتهى أمرها، ورحت أدعو لها بأن تصمد أكثر. راحت تخبرني بينما كانت نائمة: "هل ترين أشجار الزيتون يا عمتي يا نور، هم اليهود بيعرفوا يزرعوا زيتون!؟" كان زجاج سيارة الإسعاف غامقاً، ولا يسمح لأحد برؤية الخارج، استغربت، قلت بنفسي: "إنه الله يظلها بظله، تلك المرأة التي عُرفت بأنها "أم الأسرى"، ولم تترك اعتصاماً ولا مسيرة ولا إضراباً من أجل المعتقلين إلا وشاركت فيه.

بعدها عايشة..!!

وصلت أم عمر إلى مستشفى المقاصد في حالة صحة سيئة، ومنذ ذلك اليوم تقول لكل من يأتي لزيارتها: "ها هو نائل ينام إلى جانبي، ها هو عمر أمامي"، وكأنها اكتفت من هذه الحياة برؤيتهما.

 

بعد ثلاثة أيام على تلك الزيارة استطاعت المحامية بثينة دقماق زيارة نائل وعمر في سجن "عسقلان"، أخبرت العائلة أن نائل صدم عندما أخبروه أن لديه زيارة من المحامية، وظن وقتها أن الوالدة قد فارقت الحياة، وبدا في حالة سيئة، تقول المحامية: "لقد أشرت له من بعيد أن الحجة تسلم عليها، راح يصرخ وينادي على أخيه، عمر أمي بعدها عايشة، وبتسلم علينا"، كان في غاية السعادة حينها.

اليوم تتذكر حنان البرغوثي الابنة الوحيدة، حادثة وفاة والدها قبل ستة أشهر فقط "كان يتمنى والدي أن يراهما قبل وفاته، وقد فجعنا جميعنا بموته خاصة أنه كان مفاجئاً، لقد نظمت له جنازة لم تشهد مثلها قريتنا، وحضرتها معظم الشخصيات المعنية بشؤون الأسرى، والآلاف من منطقة رام الله، لكن هذا لم يكن يغنيني عن رؤية أخوتي المعتقلين بين الشباب في جنازة الوالد"، كانت حنان تتحدث وكأنها تتأهب لمشهد مماثل قد يكون قريباً.

 

 

احمد عوض كميل ينهي عامه الثاني عشر خلف القضبان..
ابناؤه : الى متى سيبقى الاحتلال يفرض علينا ان نعيش بلا أب؟!

كتب علي سمودي  -26 نيسان 2005


أكمل احمد عوض كميل، قائد مجموعات "الفهد الأسود"، الجناح العسكري لحركة "فتح" في الانتفاضة الاولى، مؤخرا 12 عاما خلف القضبان الاسرائيلية التي حرمته عائلته وابناءه الذين تركهم اطفالاً في كنف زوجته ووالديه، والذين يعيشون مأساة اعتقاله وشطبه المتكرر من قوائم الافراجات.

الفرحة المسلوبة..

ويقبع احمد، الذي ينحدر من بلدة قباطية قضاء جنين، في سجن عسقلان وسط ظروف اعتقالية قاسية، كما تقول زوجته "ام معتز" التي لم يجتمع شملها مع زوجها في مناسبة سعيدة او حزينة بسبب استهداف الاحتلال لأحمد الذي بدأت قوات الاحتلال بملاحقته بعد فترة وجيزة من زواجه خلال الانتفاضة الأولى وتقول: "امنيتي ان نعيش كأُسرة لحظة واحدة بحرية وسعادة. فقد سلبنا الاحتلال كل معاني الفرح وعشنا مرارة العذاب والمعاناة خلال مطاردأحمد وفي أعقاب اعتقاله، لان الاحتلال لم يتوقف عن عقابنا واستهدافنا والانتقام منا".

معاناة قاسية..

وتختزن ذاكرة "ام معتز" الكثير من صورة الحياة القاسية التي عايشتها في رحلة حياتها مع احمد، الذي كان على رأس قائمة المطلوبين لأجهزة الأمن الاسرائيلية التي اتهمته بتأسيس وقيادة الفهد الاسود والضلوع في عمليات ضد الإسرائيليين "فتعرض منزلنا للمداهمات وحملات التفتيش، ولم يسلم فرد من عائلتنا بما فيهم والد زوجي من الاعتقال والعقاب والتهديد". وتضيف: "للحظة واحدة لن ننسى القمع والعذاب الذي فرض علينا في كل لحظة خلال ملاحقة احمد إذ هددونا عشرات المرات بتصفيته".

اقسى لحظات العمر..

وتتذكر ام معتز اقسى لحظات العمر عندما رزقت بابنائها الثلاثة في غياب والدهم وتقول: "حرمني الاحتلال وزوجي الفرحة التي تنتظرها كل عائلة عندما ترزق بالاطفال، ولن انسى ان احمد لم يتمكن من مشاهدة باكورة ابنائي معتز لفترة طويلة بسبب ملاحقته وتكرر الحال مع انصار ومحمد.. ابنائي حرموا من حنان الابوة وحتى اليوم لا زالوا يعيشون حسرة حرمانهم من عناق والدهم والحياة ككل الابناء على وجه هذه الارض بسبب الظلم الاسرائيلي".

الحكم القاسي..

وبعد ملاحقة ومطاردة طويلة نجا خلالها من الاغتيال عدة مرات تمكنت قوات الاحتلال، كما تقول ام معتز، من اعتقال احمد في عملية خاصة عام 1993 اقتيد بعدها لاقبية التحقيق التي مر فيها بأنواع من العذاب والمعاناة حتى صدر بحقه الحكم القاسي القاضي بسجنه 16 مؤبداً اضافة إلى عشرين عاما، "ورغم ذلك استمرت قوات الاحتلال بمعاقبته بالعزل والحرمان من كافة حقوقه بما فيها الزيارة.. فمنذ اربع سنوات منعنا من زيارته بذريعة الاجراءات الامنية التي تستخدم كسلاح لعقاب الاسرى والانتقام منهم ومن عائلاتهم".

لا اعرف وجه ابي

 وبكى الصغير احمد (14 عاما)  بمرارة وهو يتحدث عن والده لمراسلنا، وقال: "عندما اعتقل والدي كنت في الثانية من عمري.. ولا زلت ابكي كلما سمعت طفلاً ينادي والده، واتساءل: لماذا احرم من هذه الكلمة؟ تمضي الايام والسنوات وانا انتظر عودة والدي.. كنا نعيش على أمل أن يتحرر، ولكن دون جدوى". ويضيف: "حياتي ماساة وحزن ودموع وامنيتي واشقائي ان يجتمع شملنا مع والدي الذي لا اعرف وجهه الا من خلال الصور فاي ظلم اكبر من هذا الذي نعيشه ؟ اين العدالة والضمير وحقوق الانسان ؟

حياة حزينة..

"إلى متى سنبقى محرومون من أبي؟" سؤال لا تتوقف انصار كريمة احمد، ابنة السادسة عشرة، عن طرحه والغضب يرتسم على محياها، "فانا بحاجة ماسة لابي.. لم اهنأ فيها بلحظة واحدة معه.. صورته لا تفارق مخيلتي وحلمي ان انام في حضنه.. ان انهض في الصباح ككل الاطفال فاحظى بقبلة الاب ودعاءه واهتمامه ورعايته، وان يتابع دراستي.. ان يقدم لي هدية بمناسبة نجاحي , ان يشتري لي ملابس جديدة في العيد , ان نعيش العيد بدون حسرة وفراق وسجون فالى متى سنبقى محرومون من ابي؟"

رفض الافراج عنه..

 وترفض قوات الاحتلال الافراج عن احمد، كما تقول زوجته. فخلال السنوات الماضية جرى شطبه من جميع قوائم الاسرى التي طرحت في عمليات الافراج او التبادل.. وتصر اسرائيل على استمرار اعتقاله لانها تصنفه ضمن قائمة الملطخة ايديهم بالدماء. وتضيف: "انه تصنيف ظالم واجراء تعسفي نرفضه ونتوجه للسلطة الفلسطينية وقيادة شعبنا لرفضه وعدم الخضوع للتسميات والاشتراطات الاسرائيلية.. فاحمد مناضل في سبيل الحرية، ضحى بحياته واطفاله ومستقبله من اجل حرية وكرامة شعبه، لذلك يجب ان نصر على عودته لاسرته وشعبه مع جميع رفاقه الأسرى، وان أي حديث عن سلام وامن لا يمكن ان يتحقق او يصبح ممكنا ما دام احمد رهن الاعتقال والمعاناة جراء جحيم السجون واشتراطات السجان التي تعني استمرار ماساتنا وحرمان اطفالي من والدهم وحنانهم للابد.

ويقول الابن الاكبر معتز (19 عاماً): منذ 12 عاما والجميع يتحدث عن الافراجات، فنشعر بنوع من الفرح ونستعد لاستقبال ابي. وفي كل مرة نصدم بخبر رفض إسرائيل إطلاق سراحه.. تمضي السنوات وتتوالى عمليات الافراج، وابي معتقل، فهل سيأتي يوم نفرح فيه بالعيد في ظلال والدينا ام سيبقى الاحتلال يتحكم بمصيرنا ليفرض علينا ان نعيش بلا أب؟"

 

الحاجة أم إبراهيم تعيش ساعات يومها، حزينة على الراحلين، وقلقة على حياة الأبناء المعتقلين، وتخشى من أن انقضاء العمر، ولم تنعم بضم الأحباب

وفا- أطلال فطافطة
الخميس 28/4/2005

تجلس الحاجة أم إبراهيم منذ 17 أبريل- نيسان، "يوم الأسير على كرسي قبالة صور لأربعة شباب، وصورة مكبرة لرجل يبدو أكبر منهم سناً، وقد ارتسمت على وجهها نظرة حزينة مليئة بالاشتياق والأسى واللوعة.

قالت ام إبراهيم العمواسي ( 56 عاماً )  لتي تعلق تلك الصور في غرفة الضيوف في منزلها المتواضع في ضاحية أم الشرايط، في رام الله في الضفة الغربية، وهي تشير بيدها اليمنى صوب صورة الزوج، التي تتوسط الصور، وبعفوية وضعت كفها على خدها، لتبدأ روايتها التي تغلفها الأحزان بشهيد ووالد احترق قلبه على ولده، فأبى إلاّ وأن يكون معه، وأسيران يعانيان من الأمراض نتيجة سوء معاملتهما من قبل سجانيهما في معتقلات الاحتلال الإسرائيلي.
بدأت الحاجة أم إبراهيم تروي قصتها مع الحياة، وقد ارتسمت على شفتيها بسمة تنم عن الهدوء الذي كانت تعيشه وعائلتها، قبل أن تعكره قوات الاحتلال الإسرائيلي كما تعكر صفو حياة كل مواطن فلسطيني، قائلة: إبراهيم وأشرف وعلي وهيثم، جميعاً كانوا يضفون على البيت جواً خاصاً، يتميز بالفرح والدفء، بضحكاتهم سوياً، وبمشاجراتهم العابرة، واجتماعاتهم مع الأصدقاء الزائرين لهم، وسط ترحيب وسعادة الوالدين، بدل أن يساهموا في انتعاش اقتصاد البيت.

وتعاود الابتسامة لتنحصر على ثغر أم إبراهيم وتذرف دمعة عابرة على خدها، الذي تغيرت ملامحه من كثرة الأحزان والهموم وحفرته الدموع، وتقول: "كل هذا راح".

وبعيداً عن ألم فقدان علي الذي استشهد على سطح المنزل، لمجرد أنه أراد أن يعرف ما يدور حوله، تسعى الحاجة أم إبراهيم دائماً إلى تركيز تفكيرها في مستقبل ابنيها إبراهيم (32 عاماً وأشرف (26 عاماً المعتقلان في سجن "هداريم" الإسرائيلي، منذ ثلاثة أعوام، بعد النطق بالحكم عليهما بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاماً، حيث يعاني الاثنان من آلام في المعدة.

ووسط جوّ من التشتت في الحديث والملامح التي تطبعها بسمة عابرة أحياناً والدموع أحياناً أخرى، استذكرت أم إبراهيم حادثة استشهاد علي في 16 أيلول- سبتمبر 2001، عندما اقتحمت دبابات قوات الاحتلال الإسرائيلي، في ساعات الفجر الأولى، المدخل الجنوبي لمدينة رام الله، وصعد علي على سطح المنزل، لمشاهدة ما يجري حوله وهو يشعل سيجارته ليصرخ وهو يضع يديه على خاصرته، محاولاً سد الثغرة الكبيرة التي أحدثتها رصاصة، أطلقت من قبل طائرة الأباتشي، التي كانت تجوب الأجواء.

وأضافت أم إبراهيم، أن الجميع صعدوا حينها إلى السطح، وهم يتعثرون على السلم، حتى رأوا علي غارقاً بدمه، مشيرة إلى أنها أزاحت من كانوا حوله، واحتضنته ودعت له بالسلامة، رغم علمها بأنه فارق الحياة.

وتشير أم إبراهيم إلى صورة زوجها أبو إبراهيم، التي تتوسط صور أبنائها، وتقول: نقل الشهيد حينها إلى مشفى رام الله، وأدخل ثلاجة الموتى، في حين أدخل أبو إبراهيم غرفة الطوارئ، لعلاجه من حالة الإغماء والانهيار التي أصابته نتيجة الصدمة.

تذهب أم إبراهيم على غير عادة الأمهات اللواتي يفتقدن، أبنائهن، قاطعة الحديث وتدخل غرفة النوم، وترتب الأسرة، وتجلب فوطة مبللة بالماء لتزيل الغبار العالق على الخزائن، ثم تعود إلى غرفة الضيوف ثانية لتفعل الشيء نفسه، وهي تقول: "عادي، عادي

.لم أكن أعرف ما الذي فعلته، لم أبك ،ولم أقعد، ولم أقول كلمة واحدة، كل شيء عادي، أحضروه إليّ في اليوم التالي إلى المنزل، ودعناه،وعندما أخرجوه زغردت وقلت، مع السلامة".
وأضافت أم إبراهيم، وهي ترفع عينيها تجاه صورة أبو إبراهيم مرة أخرى، وهي تقول: بعد عامٍ واحد على رحيل علي، لم يحتمل قلبه الحزن، فهدأت دقاته، وبرد جسده، لتزداد الحسرة وتكبر بفقدانها ابن العم، والزوج والحبيب والمعين، مشيرة إلى أنها شعرت باستحالة عودة البيت إلى سابق عهده بعد أبو إبراهيم ومن قبله علي، واعتقال إبراهيم وأشرف، وكذلك هيثم الذي اشتكى من الآم في عينيه، بما يعرف بمرض بهجت.

بإبماءات عفوية، وبابتسامات أظهرت تجاعيد وجهها وأخفت حزنها، نادت أم إبراهيم على علي الصغير ( سنتان ونصف وهو ابن المعتقل إبراهيم، وقد سميَّ باسم عمه الشهيد.

جاء علي يركض، واحتضنته أم إبراهيم بدفء ومحبة، وهي تقول: هو وأخوه محمد من تبقى لها في الحياة، إضافة إلى بنات عمهم هيثم، بعد ما حل بها وبعائلتها من مصائب الاحتلال الإسرائيلي، وجرائمه بحق أبناء الشعب الفلسطيني.

وبعد أن داعب علي الصغير الجدة، وأحدث ضجة محببة، غاب قليلاً وعاد بيديه الصغيرتين بثلاث صور، طوقت بأطر مذهبة، تحملها جدته في المناسبات التي تتعلق بالأسرى والشهداء، ويضعها على الكرسي.

وفي الوقت الذي كانت الجدة تتحدث بدأ علي بالحديث متلعثم الكلمات "بابا، هذه صورة بابا في السجن، وهذه صورة عمي أشرف، اللي مع بابا في السجن، وهذه صورة عمي علي اللي استشهد، واسمي بشبه إسمه".

وتعود أم إبراهيم إلى عدم السيطرة على دموعها، وهي تنظر إلى علي الصغير وتقول: حتى اللحظة لم تلمس يد علي الصغيرة يد والده، ولم يطبع والده قبله دافئة على خده الناعم، بسبب حاجزي البلاستيك السميكين اللذين تضعهما سلطات الاحتلال بين المعتقل وذويه، ليكون اللقاء بينهم من بعيد.

وتبتسم أم إبراهيم مرة أخرى مشيرة إلى على " يتنافس علي ومحمد كل زيارة على من سيتحدث مع والده أكثر" .

وتضيف الحاجة، "أنها عادة ما تصطحب الصغيرين لزيارة ولدها الشهيد في مقبرة البيرة، مشيرة إلى أنهما يعرفان القبر من بين القبور، ويركضان نحوه ليتحدثا إلى عمهما وينظفان ما نبت حول القبر من العشب، والرخام الذي نحت عليه اسمه وتاريخ استشهاده.

وبينما هي منسجمة بالحديث عن حفيدها تتجه أم إبراهيم فجأة ناحية إطار احتوى بطاقة دعوة لحضور زفاف الشهيد علي، أمسكت به وقالت: " كان علي خاطب، وحجزنا صالة أفراح ليوم العرس، في نهاية شهر 9 أيلول- سبتمبر2001، وطبعت بطاقات الدعوة، ووزع عدد منها، إلا أن علي رحل قبل ذلك".

منذ ذلك اليوم، لا ترغب الحاجة في حضور الأفراح، حتى وإن كانت لأعز الأقارب، في حين لا تغيب عن المشاركة في أحزان الآخرين، تبكي في سرها وتحث الموجوعين على عدم البكاء.
الحاجة أم إبراهيم تعيش ساعات يومها، حزينة على الراحلين، وقلقة على حياة الأبناء المعتقلين، ومثل باقي أمهات وآباء كثر، تخشى من أن انقضاء العمر، ولم تنعم بضم الأحباب.