في الذكرى الثانية لرحيل أبي.. أحد محرري صفقة تبادل الأسرى عام 1985

عبد الناصر عوني فروانة (أبو عوني)

 

    لقد رحلت يا أبي من دنيانا في مثل هذا اليوم الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020، وأنت الآن بين يديْ رحمن رحيم، لكنك لم ترحل من قلوبنا، وشهادة الناس فيك، هي أكبر حب وأكبر تشريف. فمن عرفوك، لا يمكن أن ينسوا وجهك البشوش وحس الفكاهة والدعابة لديك والمقالب الطريفة التي كنت تُحيكها والتي كانت مبعثاً للابتسامة والفرح، حتى في أصعب الظروف، وسط إخوتك ورفاقك الأسرى وراء القضبان.

 

    أبي (عوني فروانة أبو العبد) ليس فقط سيرة نضالية، بل أيضاً سيرة معاناة. فبعد ولادته في يافا عام 1940، عانى، وهو طفل، من نكبة 1948. عاش اليُتم بعد وفاة والده وهو صغير، حمل السلاح وقاتل المحتل في ريعان شبابه، وتعرض للاعتقال والتعذيب والحرمان والمرض في سجون الاحتلال لمدة 15 عاماً وما يزيد، قبل أن يتحرر على يد المقاومة في صفقة تبادل الأسرى عام 1985.

 

     يوم اعتقلت قوات الاحتلال والدي في شهر آذار/مارس عام 1970، كنتُ حينها طفلاً صغيراً. كان عمري لا يتجاوز الثلاث سنوات. لم أذكر الصورة التي كان عليها أبي قبل اعتقاله، ولم أذكر ولو مشهداً واحداً وانا في حضنه وهو يداعبني. الصورة الأولى التي طُبعت في ذهني هي تلك التي رأيته فيها وهو أسير شامخ خلف القضبان. وهذا ما دفعني إلى الانتماء مبكراً للثورة والانحياز إلى قضية الأسرى والمعتقلين، قبل أن أكبر وأتحول أنا الآخر إلى أسير، فمررت على ذات السجون ودخلتها أسيراً وليس زائراً لأبي، وهذا ما حدث كذلك لأخي الأصغر (جمال) الذي أنجبته أمي بعد اعتقال الوالد ببضعة شهور.

 

     لقد عشتُ اليتم مرتين، مرة وأنت على قيد الحياة وأنا في الثالثة من عمري، حين تم اعتقالك وقضيت وراء القضبان أكثر من 15 عاماً، لأُحرم أنا وأخوتي من عطفك وحنانك، ومرة وأنا قد تجاوزت الخمسين من عمري، أعود من جديد فأعيش حياة اليتم مرة ثانية، لكنها أقسى وأكثر مرارة، لأنك رحلت ولن تعود.

 

     أبي: كلما استمعت لرفاقك في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ممن ناضلت معهم وقاتلت بجانبهم، وكلما حدثني عنك أصدقاؤك ومعارفك وجيرانك، وكلما استمعت إلى من عايشوك في السجون من الإخوة والرفاق، على مدار سنوات اعتقالك، ازددت فخراً بك واعتزازاً بما تركته لنا من سيرة نضالية وذكرى عطرة.

 

    أبي: لقد غيبك الموت عنا، وقد كنت تاريخاً لنا ولرفاقك، كنت فينا سراجا يضيء عتمتنا، ومدرسة حياة فيها نشأنا وتعلمنا. كُنا نسعد برؤيتك ونستمتع بالجلوس معك ونستأنس بحديثك. كنت خير الجليس والأنيس. كنت الأب والجد، والأخ والرفيق. كنت الجار والحبيب والصديق.

 

    أبي كان في حياته خفيفا ولم يكن عبئا على أحد. حتى في فترة مرضه، كان يتحمل أوجاعه بصبر وجلد، وكان يجيب كل من يسأله عن صحته وابتسامته المعهودة على وجهه، بالقول: أنا بخير، الحمد لله. وكان موته سريعا بعد أن أصيب فجأة بجلطة دماغية، هكذا، كان أبي خفيفا في موته كما كان خفيفاً في حياته.

 

    أبي: لقد شهد الناس أن لك من اسمك نصيب. فأنت (عوني)، كنت عونا لأسرتك منذ صغرك، وعونا لنا حتى بعد أن كبرنا وتزوجنا وكوَّنا أُسر. كنت عونا للمحتاجين من حولك، وعونا لكل من طلب مساعدتك. كنت عونا للجميع في كل الأوقات، بالمساعدة والكلمة الطيبة والفكاهة والنكتة والبسمة والضحكة والمرح وهذا سر حب الناس لك. كنت محبا للكل فأحبك الجميع، ولقد بنيت لك في قلوب الناس منزلاً، حتى إذا ما علموا برحيلك حضروا من كل صوب لتشييعك الى مثواك الأخير لم تثنهم جائحة "كورونا"، ولم يمنعهم بُعد المسافات من الحضور والتواصل والاتصال. فكانت جموع المشيعين والمعزين كبيرة ومهيبة ومؤثرة، ما جعلنا نشعر بالسلوى والطمأنينة. لقد شاركَنا العزاء الصحيح والسقيم، الشاب والكهل، المقاتل والسياسي، الأسير والمحرر، المواطن والمسؤول، جاءوا وشاركوا حباً فيمن رحل. وهنا أقول باسمي وباسم عائلتي وأهلي: شكراً لكم جميعاً، وحفظ الله أحبابكم.

 

      كم كنت أتمنى يا أبي أن أسجل ما في ذاكرتك الغنية المدهشة من أحداث ومعلومات قبل رحيلك. لكن الموت حق، ولكل أجل كتاب. رحمك الله يا أبي، وإنا لله وإنا إليه راجعون.