فلسطين خلف القضبان

www.palestinebehindbars.org

 

 

   

حسن سلمة وحكاية سبعة وعشرين عاماً في الأسر

*بقلم / عبد الناصر عوني فروانة

8-8-2009

لا نبالغ حينما نقول بأن معاناة الأسرى القدامى وذويهم تفوق معاناة شعب كامل في مكان آخر من هذا الكون ، ولم نخطئ حينما نصف سجون الإحتلال بغرفها الجماعية وزنازينها الإنفرادية بمقابر الأحياء ، ولا نقلل من شأن الأسرى الآخرين حينما نطالب بمنح حرية الأسرى القدامى الأولوية بالمفاوضات أو خلال عملية التبادل ، ولسنا على خطأ حينما نقول بأن هدف الإحتلال من استمرار احتجازهم لعشرات السنين هو الإنتقام منهم ومن المقاومة ، في اطار سياسة غير معلنة تهدف الى إعدامهم وقتلهم ببطء .. ولهذا أعلنا صراحة وفي أكثر من مناسبة انحيازنا للأسرى القدامى ، وقلنا بأن لا معنى لمفاوضات ناجحة يمكن أن تبقيهم في السجون ، أو لمقاومة مثمرة عاجزة عن تحريرهم .

ومصطلح " الأسرى القدامى " يطلق على ( 326 أسيرا ) من الأسرى الفلسطينيين والعرب المعتقلين منذ ما قبل اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الرابع من آيار 1994 ، وأن أقل واحد منهم مضى على اعتقاله أكثر من خمسة عشر عاماً ، فيما أقدمهم مضى على اعتقاله أكثر من واحد وثلاثين عاماً .

ولكل واحد من هؤلاء تجاربه ومعاناته الخاصة والعامة ، ولو نجحنا في توثيقها ، تدوينها ، نشرها وعرضها بشكل جيد ، سننجح بتحريك مشاعر وضمائر وسواعد أكثر من مليار مسلم ومعهم كل الأحرار في العالم ، وسنجعل من قضيتهم .. قضية رأي عام دولي متفهم لمعاناتهم ومدافع عن حقهم بالحرية ، ويمكن حينها الضغط على حكومة الاحتلال لإجبارها على إطلاق سراحهم كمقدمة أساسية للسلام العادل في المنطقة  .

( عشرة آلاف )  يوم في السجن ..

والأسير حسن علي نمر سلمه (أبو علي) هو واحد من هؤلاء الأسرى القدامى ، ويحتل مكانة متقدمة على قائمتهم رغماً عنه ، حيث يعتبر سادس أقدم أسيرعلى الإطلاق ، بعد نائل وفخري البرغوثي ، وأكرم منصور و وفؤاد الرازم وابراهيم جابر ، ولقد دخل اليوم عامه الثامن والعشرين بشكل متواصل في الأسر.

( عشرة آلاف )  يوم ، قضاها الأسير حسن سلمة في سجون الإحتلال متعددة الأسماء ، تارة في غرفها المعتمة ، وتارة أخرى في مقابر العزل الإنفرادي وفي ظروف لا توصف ، وفي كل الأحوال حياة دون مقومات الحياة الآدمية ، وحرمان من العلاج والدواء ورؤية الأهل والأحبة ، وطعام سيئ كماً ونوعاً ، واجرءات قمعية ومعاملة قاسية على مدار الساعة ..الخ  .

وبالتأكيد للأسير حسن " أبو علي " حكايات طويلة نُسجت خلال سبعة وعشرين عاماً في الأسر وحتى ما قبل الأسر ، حكايات يمكن أن تُسطر في مجلدات ، حكايات تعكس نضالات وصمود هذا الرجل القوي ومعاناته ومعاناة أسرته .

ولأنني لست مؤرخاً أو كاتباً محترفاً أو صحافياً ماهراً ، وأفتقر للإمكانيات ، فانني أقر بعجزي في انجاز ذلك ، ولا أملك سوى الدعوة لتوثيق قصص وحكايات هؤلاء القدامى تحديداً وتسليط الضوء عليها ، لعلنا نوفق جميعاً في وضع حد لمعاناتهم ومعاناة ذويهم وأسرهم .

الولادة والنشأة ..

  ولد الأسير المناضل حسن علي نمر سلمة بتاريخ 8-2-1958 في قرية يالو احدى قرى اللطرون التي دمرت عام 1967 ، ومن ثم هاجرت أسرته وانتقلت للعيش والإقامة في بلدة بيتونيا برام الله ، فكبر وترعرع في هذه البلدة وتعلم في مدارسها وأنهى الثانوية العامة ، ليلتحق بعدها بجامعة بيرزيت كلية الفيزياء وكان متفوقاً مميزاً وحينما أعتقل بتاريخ 8-8-1982 ، لم يكن متبقي له سوى فصل واحد ، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة  وكان حينها يبلغ من العمر ( 24 عاماً ) ، واليوم قد أنهى عامه السابع والعشرين في الأسر ليدخل عامه الثامن والعشرين ، وهو بذلك يكون قد أمضى في الأسر سنوات طويلة تفوق ما أمضاه قبل الأسر في رحاب الحرية .

 وخلال سنوات الأسر الطويلة تنقل بين العديد من السجون وتعرض لصنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي والإهمال الطبي ، كما تعرض مراراً للعزل الإنفرادي والجماعي ، وشارك اخوانه الأسرى في الخطوات النضالية المختلفة وفي الإضرابات عن الطعام ، وهو موجود الآن في سجن ريمون الصحراوي القريب من سجن نفحة ويعاني من أمراض مختلفة  .

حكايات مريرة ..

ومن الحكايات الخاصة بالأسير البطل حسن سلمة ، أنه تزوج قبل اعتقاله بفترة وجيزة ، وربنا رزقه بتاريخ 19-7-1982 بتوأم ( ولد وبنت ) ( علي وسناء ) ، ولم ينعم كثيراً باحتضانهما سوى لفترة تسعة عشر يوماً فقط ، حيث اعتقل بتاريخ 8-8-1982 ، ليحرم من رعايتهما المباشرة و رؤيتهما بلا قضبان وتقبيلهما بلا شبك أو ألواح زجاجية .

 ولكن كبر الأطفال وتفوقا في الدراسة وعملا بوصية الوالد ، وبرعاية الأم الصابرة الصامدة المثالية والتي تخلت عن متاع الدنيا واغراءاتها من أجل تربية طفليها وصون علاقتها بزوجها الأسير التي تفخر به وتعتز بارتباطها به .

أبناء يؤجلون الزواج ..

 فمسيرة " علي " تكللت بالنجاح وتخرج من جامعة القدس المفتوحة ليعمل في السلطة الوطنية الفلسطينية ، فيما سناء لا زالت تدرس في الجامعة وتسير بنجاح وتعمل في الوقت ذاته موظفة في وزارة الأسرى والمحررين برام الله ، وكانت قد زُفت الى  بيت زوجها قبل عامين دون حضور والدها الذي اكتفى بارسال رسالة لها وصلتها بعد سنوات تحمل بعض الكلمات والتهاني ، أما علي فلا زال يؤجل زواجه ، على أمل بأن ينعم والده بالحرية ويشاركه  حفل زفافه .

" سناء " تعجز عن وصف المعاناة .. ونحن كذلك

يضيف الباحث فروانة في مقاله ، ولقد اتصلت وتحدثت عبر الهاتف أكثر من مرة مع كريمته " سناء " 27 عاماً ، وآخرها قبل يومين ، وفي كل مرة أشعر بأن لديها الكثير الكثير مما تريد قوله ، ومما ترغب في وصفه من معاناة وحرمان ، وربما عجزها عن وصف معاناتها ومعاناة أسرتها ووالدها هو ما يدفعها للإختصار بالحديث ، ونحن كذلك لم ولن ننجح يوماً بوصف معاناتهم ، وكتاباتنا ما هي إلا محاولات لتسليط الضوء  .

فالقصة طويلة والمعاناة فظيعة والحكاية بدأت فصولها قبل سبعة وعشرين عاماً ، ولم تنتهِ بعد .!

 ومع ذلك وبكثير من التنهدات وتكرار التوقفات قالت لي : اعتقل والدي وأنا رضيعة وكبرت في حضن والدتي وحرمت من حنانه ، فتعرفت عليه من خلال شبك الزيارة ، ونسجت معه علاقات متينة وقوية ، فهو مفخرة لي واشمخ به أينما ذهبت ، بنضالاته وصموده وثباته، بما يمتلكه من معنويات عالية وتفاؤل كبير ، وأسعى أنا وشقيقي لأن نتحدى الإحتلال ونتجاوز الصعاب ، ونعمل بوصيته ووفقاً لتوجيهاته وكأنه يحيا بيننا ولربما أكثر من ذلك ، وصورته ماثلة أمامنا أينما توجهنا ، عالقة في أذهاننا ، حاضرة في سلوكنا ، ونسعى لأن نكون كما يطمح أن نكون ناجحين ومتفوقين .

وتضيف " سناء " مسيرة حياتنا حافلة بالمعاناة كباقي ذوي الأسرى ، ولكن لطول السنين فقد تكون معاناتنا أضعاف غيرنا ، وزياراتنا لوالدنا غير منتظمة تحت ما يسمى " أسباب امنية " فوالدتي ممنوعة من زيارة والدي منذ أكثر من عشر سنوات ويسمح لها أحيانا بزيارة واحدة كل عام ، فيما جدي البالغ من العمر ( 77 عاماً ) ممنوع نهائياً من زيارة ولده لأسباب أمنية أيضاً ..!!

 وأعمامي ممنوعين أمنياً من الزيارة ، وشقيقي يسمح له بزيارة والده مرة كل عام ، وأنا أزوره كلما أتيحت لي الفرصة والظروف ، ولكن بكل الأحوال تكون محفوفة بالمخاطر وممزوجة بالمعاناة ، فالزيارات ان تمت فهي رحلة عذاب ومشقة .. هكذا توصفها كريمته سناء .

الأسير حسن علي سلمة هو واحد من ( 9600 ) أسير فلسطيني وعربي يقبعون في سجون ومعتقلات الإحتلال الإسرائيلي ويتعرضون لإنتهاكات فظة لحقوقهم الإنسانية الأساسية ، وهو واحد من قائمة الأسرى القدامى الذين يستحقون الإهتمام من قبل المسؤولين والقادة والفصائل كافة ومؤسسات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام لتسليط الضوء عليهم بشكل خاص وابراز معاناتهم وتفعيل الأنشطة والفعاليات المساندة لقضاياهم العادلة ، والعمل الجدي من أجل اطلاق سراحهم ووضع حد لمعاناتهم المتفاقمة .

الحفيدة الأولى .. ومستقبل مجهول مع جدها

الأسير " أبا علي " أعتقل دون أن ينعم باحتضان طفليه سوى لتسعة عشر يوماً فقط .. فكبرا وترعرعا بعيداً عنه .. وتمضي الأيام والشهور والسنين ، بل تمضي عشرات السنين ، فتكبر كريمته " سناء " وتزف إلى بيت زوجها ، فيما لا يزال نجله " علي " يرفض الزواج بانتظار عودة والده ..

وبعد أقل من أربعة شهور سترزق " سناء " بمولودة جديدة وهي ستكون الحفيدة الأولى للأسير حسن سلمة .. والسؤال يلد مليون سؤال .. إلى متى سيظل " علي " يؤجل حفل زفافه ؟ ... وهل ستُنجب له كريمته الحفيدة الأولى دون أن ينعم باحتضانها ؟ أم ستكبر كأمها وستزف هي الأخرى لبيت زوجها دون مشاركة جدها ؟ .. أم ستشهد الأيام والشهور القادمة نهاية سعيدة لحكاية أبا علي ..؟

أسئلة نترك الإجابة عليها للمفاوض الفلسطيني ولآسري شاليط  ..

أما نحن فلا نملك سوى الدعاء لهم ، بأن ينعم الله عليه بالحرية وأن يمنحه حق العودة لأسرته قريباً ، ليقضي ما تبقى من العمر معهم ووسطهم ، ولينعموا قليلاً بدفء حنانه ، وليشاركهم أفراحهم وأن يتمكن من احتضانهم بلا قضبان أو ألواح زجاجية .. آمين .. آمين .. آمين يارب العالمين  .

 

 أرشيف الأسرى القدامى

 

أرشيف المقالات