الذكرى الـ21 لاستشهاد الأسير المقدسي عمـر القاسم ..

 

 

*بقلم / عبد الناصر عوني فروانة

4 حزيران 2010

نشر الساعة : 12:15

لم ولن نفقد البوصلة .. ولن نسمح للأحداث المتلاحقة والجرائم الإسرائيلية المتكررة بحق شعبنا الفلسطيني ، أن تستنزف كل وقتنا وتختطف جهدنا ، أو أن نستحوذ على جل اهتماماتنا ..

فللأسرى مكانة في أفئدتنا .. والجرائم الإنسانية بحقهم لم تتوقف ، بل وتتصاعد يوماً بعد يوم ، وكنا قد حذرنا قبل أيام من خطورة الاستفراد بالأسرى وتمرير ما يُسمى " قانون شاليط " للتضييق أكثر على الأسرى والانتقام منهم ومن ذويهم  .

والأسرى قضية ليست إخبارية كما  يحاول البعض تقديمها ، وهي ليست أداة لتوظيفها بهدف الحضور الإعلام الدائم ، وإنما هي قضية متكاملة كما يفهمها ويتناولها الكثيرين من المبدعين والناشطين والباحثين.

الأسرى .. معاناة متواصلة وحكايات مريرة وقصص مؤثرة ، ومآثر وبطولات تعجز الأقلام عن وصفها ، وانتهاكات وجرائم لا حصر لها ..

الأسرى تاريخ طويل كتبت حروفه بالدم ، وللأسرى المقدسيين دور كبير في صياغة وتدوين ذاك التاريخ بدمائهم الزكية .. والشعب الفلسطيني عموماً  والحركة الأسيرة خصوصاً ، لم ولن ينسوا قافلة الشهداء من الأسرى المقدسيين الذين ارتفع عددهم ليصل إلى ( 15 شهيداً ) ومن هؤلاء الشهداء الأسرى من كانوا أعمدة أساسية للحركة الأسيرة وجزء من تاريخها  أمثال قاسم أبو عكر ، اسحق مراغة ، عمر القاسم ، مصطفى عكاوي ، حسين عبيدات ، محمد أبو هدوان ، مجدي موسى وغيرهم .

واليوم تحل علينا الذكرى الـ 21 لاستشهاد الأسير المقدسي " عمر القاسم " هو واحد من الأسرى الذين ساهموا في صياغة تاريخ الحركة الأسيرة ، وبغض النظر عن انتمائه الحزبي ، ومدى توافقنا أو تعارضنا مع مواقف تنظيمه " الجبهة الديمقراطية "  ، إلا أننا نجد لزاماً علينا بتسليط الضوء عليه كجزء من الوفاء له ولكافة الشهداء .

وحقيقة يصعب على أي كاتب أن يصف خصاله ويسرد بطولاته ومواقفه ، وباختصار كان أحد أعمدتها وقادتها الأساسيين علم من أعلامها ورمزٌ من رموزها ، فكان في حياته قائداً فذاً ، ومناضلاً شرساً ، وأسيراً شامخاً ، ونموذجاً رائعاً ، وفي مماته شهيداً خالداً و قنديلاًً لن ينطفئ نوره ، و مَن لَم يَعرف عمر القاسم ، لا يعرف الحركة الوطنية الأسيرة .

الشهيد الأسير المقدسي " عمر محمود القاسم " من مواليد حارة السعدية في القدس القديمة سنة 1940 م ، و تعلم ودرس في مدارس القدس ، ومن ثم واصل تعليمه والتحق بالإنتساب بجامعه دمشق وحصل منها على ليسانس الأداب " انجليزي " .

وفي مطلع شبابه إلتحق بـ "حركة القوميين العرب " وحصل على العديد من الدورات العسكرية في معسكرات الثورة الفلسطينية خارج الوطن ، وبتاريخ 28-10-1968م  قرر العودة إلى أرض الوطن على رأس مجموعة فدائية عبر نهر الأردن ، لكنها اصطدمت بطريقها بكمين إسرائيلي قرب قرية كفر مالك ، ولم تستسلم المجموعة وقررت القتال رغم عدم تكافؤ المعركة ، وبعد نفاذ الذخيرة تمكنت قوات الاحتلال من أسر المجموعة  وقائدها " عمر " ، ومن ثم أصدرت المحكمة العسكرية على الشهيد حكماً بالسجن المؤبد ، وزج به في غياهب سجون الاحتلال .

ويضيف عبد الناصر فروانة في مقالته السجن لم يغير في " عمر " شيئاً ، بل زاده صلابة ، ولم يساوم على مبدأ ، وكان من القلائل الذين يمتلكون الثقافة التنظيمية والسياسية والثورية فلعب دوراً بارزاً في وضع اللبنات الأولى لعملية التثقيف التنظيمي والسياسى وساهم بوعيه وثقافته في التعبئة والحشد المعنوي في إعداد الأسرى وفي مواجهة إدارات القمع الإسرائيلية لتحسين ظروف الإعتقال فشارك وقاد إخوانه الأسرى العديد من الإضرابات عن الطعام .

وتميز " القاسم " بعلاقاته الواسعة مع الجميع ، وفرض نفسه بقوة على الساحة الإعتقالية بأخلاقه وسلوكه وحفر إسمه بحروف من نور بمواقفه البطولية وغدى القاسم نموذجاً وقائداً ليس لرفاق الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين فحسب ، وإنما لكل الحركة الوطنية الأسيرة ، فشكل " عمر " القاسم المشترك ما بين الأطياف السياسية للحركة الوطنية الأسيرة...

     ومن مواقفه البطولية عندما قامت مجموعة مسلحة تابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بتنفيذ عملية " معالوت " في الجليل واحتلال مبنى ورهائن ، إستدعت إدارة السجن الشهيد "عمر القاسم" ومعه الشهيد " أنيس دولة "  وأخذوهما على متن طائرة مروحية الى مكان العملية وساوموه وطلبوا منه أن يتحدث للفدائيين لتسليم أنفسهم واطلاق سراح الرهائن ، لكن القاسم رفض ذلك وبإصرار ، فإنهالوا عليه بالضرب المبرح وأعادوه كعقاب الى زنازين السجن الإنفرادية  .

تعرض الشهيد " عمر القاسم " خلال واحد وعشرين عاماً أمضاها في سجون الاحتلال إلى صنوف مختلفة من التعذيب وفصول متعددة من المعاناة ، وأصيب بالعديد من الأمراض في ظل سياسة الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمد من قبل إدارة مصلحة السجون ، حتى كان موعده مع الشهادة في مثل هذا اليوم الرابع من يونيو / حزيران عام 1989م ، ليُطلق سراحه محمولاً على الأكتاف بعدما رفضت سلطات الاحتلال إطلاق سراحه ضمن صفقة التبادل عام 1985 ، وليدفن في مقبرة الأسباط في مدينة القدس ، يرحل جسداً فيما ذكراه بقيت وستبقى محفورة بداخلنا للأبد .

وبعد مماته ، ولربما أكثر مما كان في حياته إحتل مكانة مميزة في قلوب كل الشرفاء والأحرار وكُتبت له القصائد  والأشعار ، وحملت العديد من العمليات العسكرية اسمه لاسيما من التنظيم الذي انتمى له " الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين " ، وزينت الشوارع بإسمه وصوره وتغنى ولا زال يتغنى بإسمه المقاتلون والأسرى في السجون .

الشهيد الأسير " عمر القاسم "  وبغض النظر عن انتمائه الحزبي ، ومدى توافقنا أو تعارضنا مع مواقف تنظيمه " الجبهة الديمقراطية "  ، فهو واحد من الأسماء التي لم تُنسَ ولن تمحى من ذاكرة الشعب الفلسطيني عامة والحركة الأسيرة خاصة ، وهو واحد من قائمة تضم ( 15 ) أسيراً مقدسياً استشهدوا داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي ليؤكدوا بدمائهم الزكية وتضحياتهم الجسيمة بأن الأسرى المقدسيين كانوا ولا يزالوا جزءً أساسياً من الحركة الأسيرة ، وأن لا معنى لأية صفقة تبادل يمكن أن تستبعدهم أو تستثنيهم ، فهم شركاء في النضال والألم ، شركاء في الأمل والانتصار ، ولهم في قلوبنا مكانة مرموقة .

 

عبد الناصر فروانة

أسير سابق ، وباحث مختص في شؤون الأسرى

مدير دائرة الإحصاء بوزارة الأسرى والمحررين في السلطة الوطنية الفلسطينية

0599361110

Ferwana2@yahoo.com

 

أرشيف المقالات