" شاليط " .. كل عام وأنت و"كوشنير " بخير

 

بقلم/عبد الناصر فروانة

31-8-2010

 

بعكس الكثيرين .. فمشاعري لم تختلف عن تلك التي عبَّر عنها وزير خارجية فرنسا " برنار كوشنير " ، وعن تصريحاته التي أطلقها بمناسبة بلوغ " شاليط " عامه الرابع والعشرين وهو في الأسر لدى الفصائل الفلسطينية بغزة ، محروماً من الحرية ومحتجزاً في مكان سري لا يُسمح له باستقبال زائريه أو الالتقاء بوالديه أو بمندوبي الصليب الأحمر لأسباب أمنية .

وأتفهم مشاعر " كوشنير " وحرصه الكبير وسعي فرنسا الحثيث لضمان حرية الأسير " شاليط " الذي يحمل الجنسية الفرنسية واعادته لأهله .

 وأتفهم أيضاً معاناة " شاليط " ، وعذاب عائلته طوال فترة أسره التي تجاوزت الأربع سنوات ببضعة شهور وأدعو الله أن لا يُمس بسوء وأن يُطيل عمره لطالما بقىّ في الأسر .

وأُثني في الوقت ذاته على نداء " كوشنير"  للفصائل الفلسطينية الآسرة بالإفراج " غير المشروط " عن " شاليط " لينعم بالحرية وليعود إلى بيته ، وليحتفل بعيد ميلاده مع أسرته وبين أصدقائه وأحبته .. !

وصراحة تمنيت مراراً فيما لو كان هذا الملف قد أغلق منذ زمن بعيد ، وأرغب بأن أنام ذات ليلة وأصحو لأجد الملف وقد عُولج بشكل جذري وأُغلق وعاد " شاليط " لبيته سالماً ومشياً على الأقدام، ولكن هذه المشاعر منقوصة ، وتلك الرغبة مشبوهة ما لم تُستكمل برغبتنا بالمقابل بعودة أسرانا الى بيوتهم وعائلاتهم وأطفالهم .

وأعتقد بأن الرغبة في إغلاق ملف "شاليط" ،هي محط اجماع فلسطيني إسرائيلي دولي ، والكل منا كان يتمنى لو أمضى " شاليط " عيد ميلاده الـ24 أو ما قبله وما قبل قبله في بيته ووسط أهله ومع والديه " نوعام وعفيفة شاليط " ، ولكن يُستحال أن يتحقق ذلك دون المشهد الآخر ..؟

وعلى عجالة نستعرض المواقف فالمساحة التي تتحرك فيها الفصائل الفلسطينية الآسرة ضيقة ومحدودة جداً ، و"إسرائيل " تصر على معاييرها الظالمة وشروطها المجحفة ، والمجتمع الدولي ( لا ) يتمتع بأدنى درجات الإنصاف والنزاهة والعدالة في هذا الموضوع ..! وأمام هذه اللوحة من التفاعلات يقفز للذهن سؤال هام يطرح نفسه بقوة اليوم كيف يمكن لنا أن نجعل من الرغبة واقعاً ومن الحلم حقيقة وأن نضمن لـ " شاليط " الحرية وأن ( لا ) يمضي عيد ميلاده الخامس والعشرين في الأسر بعيداً عن والديه وبين أصدقائه ..؟

وللإجابة على هذا السؤال أجزم بأن ذلك لم ولن يحدث على المدى القريب أو البعيد ، ما لم يغير السيد " برنار كوشنير " والمجتمع الدولي خطابه ، وما لم يدركوا ومعهم الإسرائيليون الأسباب الحقيقية التي دعت الفصائل الفلسطينية للإقدام على أسره ، وقبل أن يتفهموا معاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال الإسرائيلي في ظروف هي الأسوأ والأقسى في العالم بكل جوانبها في خرق فاضح لكل قواعد القانون الدولي وإتفاقيات جنيف ... مع العلم بأن هناك عشرات الأسرى في سجون الاحتلال معتقلين منذ ما قبل ولادة " شاليط " ببضع سنوات ، ومنهم من أحتفل بعيد ميلاده ( 32 ) مرة متواصلة في السجن ولا يزال ..!.

وما لم تتخلَ الحكومة الإسرائيلية عن تعنتها ، وأن تتراجع عن معاييرها الظالمة وشروطها المجحفة ، وأن تغير من نمط تعاطيها وتعاملها مع المفاوضات في هذا الشأن تحت رعاية الشقيقة مصر وعبر الوسيط الألماني .

و كنت أتمنى أن يطل علينا السيد " كوشنير " بتصريح منصف ، متوازن ونزيه ، ويعلن فيه بجانب ما أعلنه وصرح به بخصوص " شاليط "  ، عن تفهمه لمعاناة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ويوعدهم بالعمل من أجل تحسين ظروف احتجازهم والشروط الحياتية والمعيشية والإنسانية لديهم وفقاً للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية ،ويناشد فيه الحكومة الإسرائيلية بالتعاطي بايجابية أكثر مع الجهود الدولية والعربية لإنهاء هذا الملف والإفراج " غير المشروط " عن مئات الأسرى القدامى الذين مضى على اعتقالهم عشرات السنين والسماح لهم بالعودة لبيوتهم . 

وفي الختام أقول للسيد " كوشنير " : تفهمنا موقفك ومشاعرك ، ونأمل أن تتفهم موقفنا ومشاعرنا ، في الوقت الذي نسجل فيه جل احترامنا لشخصكم وشعبكم ونقدر عالياً دور فرنسا الصديقة ورؤسائها المتعاقبين في دعم ومساندة القضية الفلسطينية ، وفي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم أجمع ، لكننا نتطلع دائماً لدور أكثر إنصافاً وعدلاً من قبلكم تجاه ملف شاليط والأسرى الفلسطينيين .. فحقوق الإنسان ثابتة ومتساوية وهي جزء لا يتجزأ ، كفلتها كافة المواثيق والأعراف الدولية للجميع دونما تمييز من أي نوع، لا سيما التمييز بسبب الجنس أو اللغة ، أو الدين أوعلى أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص،. وهي تشكل أساساً للحرية والعدل والأمن و السلام في العالم .

فكل عام و" شاليط " و" كوشنير " بخير .. فالمناشدة بالإفراج " غير المشروط "عن شاليط يجب أن يقابلها مناشدة بالإفراج " غير المشروط " عن مئات الأسرى التي تطالب بهم الفصائل الآسرة ..هكذا هي المعادلة العادلة .. وهكذا فقط يمكن  أن يعود " شاليط" لأهله في إطار صفقة تبادل مشرفة ومقبولة فلسطينياً .

 

أرشيف مقالات الكاتب