حركة المقاومة السرية في الجولان  وثلاثة وعشرون عاما  من رحلة الاعتقال..

 

موقع الجولان/ ايمن ابو جبل

24 آب 2008

 

هي ضريبة المقاومة ورفض الاحتلال الإسرائيلي، ما زال ابناء الجولان يقدمونها  على مذبح الحرية، تلك الحرية التي دفع عربونا لها خمسة شهداء من شهداء الحركة الوطنية السورية، وعشرات الشهداء والمصابين والجرحى من جراء الرصاص والألغام الاسرائيلية التي ما تزال تحوم بين منازل الجولانيين ومحيط قراهم المأهولة بالسكان،  ومئات الاسرى والمعتقلين الذين كوت اجسادهم سياط الجلادين في أقبية التحقيق ومراكز الاعتقال والسجون الإسرائيلية.. 

إحدى وأربعين عاما من مسيرة الكفاح الوطني السوري في الجولان المحتل هي عمر زمني  لا يقاس في عمر نضال الشعوب في سبيل الحرية، لكنها  فترة زمنية تستحق الوقوف أمامها بكل مسؤولية وإجلال واحترام، حين تُقترن تلك الفترة بعدد سكان الجولان السوري المحتل وإمكانياتهم المتواضعة وركائز ودعائم صمودهم المعدومة سوى من عمق إيمانهم بعدالة قضيتهم، وصدق انتماءهم الوطني والقومي والأخلاقي تجاه  تاريخهم وتراثهم وكنزهم الحضاري في ارض الآباء والأجداد، هذا الكنز الذي صانته دماء عشرات الشهداء وتضحيات الآلاف الرجال والنساء المجهولين في سفر البطولة الوطني رسميا...

 

حركة المقاومة السرية  في الجولان السوري المحتل هي امتداد نضالي ورافد تاريخي وسياسي لمسيرة الحركة الوطنية السورية في الجولان التي شقت طريقها في الزمن النضالي الصعب، منذ ان وطأت أقدام المحتلين الاسرائيلين ارض الجولان، وشكلت منذ الإعلان رسميا عن تأسيسها في الأول من حزيران عام 1984  حيث توجت انطلاقة حركة المقاومة السرية في عملية جريئة وبطولية في منطقة بئر الحديد قرب بقعاثا، وكانت عبارة عن مستودع ومخزن عسكري لقوات الجيش الإسرائيلي يحتوي على عشرات القذائف المخصصة للدبابات الإسرائيلية، وأسفرت عن احتراق وتدمير معظمه إضافة إلى إصابة احد جنود الاحتلال في رجله جراء انفجار لغم ارضي كان أبطال العملية قد قاموا في زراعته  في محيط المستودع.

 

 ثلاثة وعشرون عاما مضت منذ الإعلان عن كشف السلطات الإسرائيلية عن تنظيم حركة المقاومة السرية واعتقال كامل أعضائها العشرة،الذين تراوحت أعمارهم بين سبعة عشر عاما واثنان وعشرين  عاما، وكانت عملية كشف الحركة بمثابة انتصار لأجهزة الامن الاسرائيلي بعد عمل عسكري سري دام رسميا حوالي السنتين ، نفذت فيها المقاومة العديد من العمليات  بدءً من رفع العلم السوري واحراق المجلس المحلي، بقنابل المولوتوف، وتفكيك وزراعة الغام مضادة للافراد والدبابات، والاستيلاء على عشرات القنابل اليدوية والدخانية من المخازن العسكرية، اضافة الى احراق وتفجير قذائف الدبابات في منطقة بئر الحديد، الا ن الانجاز الامني الاسرائيلي يقابله انجازات قيمة حققتها المقاومة الوطنية السورية في الجولان في مسيرة الكفاح الوطني وابرزها دون ادنى شك، استمرارية العمل الوطني والنضالي ضد  السلطات الاسرائيلية، وارتقاء عمل المقاومة  الوطنية الى الجانب العسكري المنظم ضمن صفوف حركة المقاومة السرية وانتهاج الكفاح العسكري وسيلة في النضال الوطني ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجولان المحتل بعد ضرب العديد من الأطر والشبكات السرية خلال السنوات الماضية واعتقال معظم افرادها.

 

 لقد استطاعت المقاومة السرية من حمل راية الكفاح عسكريا لفترة زمنية قصيرة في عرف العمل السري المقاوم، وكانت مصدر قلق واستغراب لأجهزة الأمن الإسرائيلية التي ركزت جل اهتمامها وعمل عملاءها من اجل الكشف عن الجهة التي تقف وراء  الاعمال العسكرية  في تفكيك  وزراعة الالغام والاستيلاء على القنابل اليدوية وتفجير المخزن، فقامت بحملات اعتقال عشوائية ومسعورة في صفوف الوطنيين على مدار فترة زمنية ليست قصيرة في منتصف الثمانينات، واستطاعت من مراقبة تسلسل بعض العمليات والوصول الى خيوط اولية تمثلت في اعتقال عضوين في خلية سرية كانت تعمل ضمن صفوف حركة المقاومة السرية، ومن ثم الكشف عن باقي أعضاء الحركة واعتقالهم جميعا، وإصدار أحكام جائرة بحقهم  تراوحت بين أربعة سنوات وحتى 27 عاما. ما زال ثلاثة منهم قيد الاعتقال" بشر سليمان المقت وشقيقه صدقي سليمان المقت، وعاصم محمود الولي"

 

في المعتقل وبعد مرحلة التحقيق، عملت الحركة على إعادة بلورة التنظيم سياسيا في ظل ظروف المعتقل،كهوية سياسية تعبر عن الأسرى العرب السورين في سجون الاحتلال، فكان لابد من  البدء في عمليات تثقيفية  لصقل الشخصية السورية  بابعاد فكرية وسياسية وعقائدية، تستطيع اولا مواجهة الظروف الجديدة التي افرزتها شروط السجن والاعتقال، وتعبر ولو بالحد الادني عن الهوية السورية داخل المعتقلات الإسرائيلية، الى جانب الهوية الوطنية الفلسطينية المتمثلة بفصائل منظمة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية  واللبنانية المتمثلة في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ولاحقا بحركة المقاومة الإسلامية اللبنانية . وبعد  معارك طويلة خاضها أسرى الجولان العرب السورين من اجل إبراز واستعادة وجود وتمثيل  الهوية الوطنية الممثلة للساحة السورية في المعتقلات الإسرائيلية، تلك الهوية التي دافع عنها  رواد الحركة الاعتقالية السورية من أبناء الجولان منذ منتصف السبعينيات ولغاية منتصف الثمانينات، استطاعت حركة المقاومة السرية  ان تكون جزءً أساسيا في معارك الحركة الأسيرة ورافدا مهما من روافدها الوطنية والنضالية وذلك من خلال الدور الكبير الذي لعبه افرادها في نضال الاسرى والمعتقلين، بالاضرابات العديدة المفتوحة عن الطعام، ومواجهة إدارة القمع في مصلحة السجون واجهزة استخباراتها، وخوض معارك نضالية وسياسية  عديدة لتحسين شروط وظروف الاعتقال، والوقوف بحزم أمام أي تفريط او مساومة على حقوق وانجازات الاسرى، بالمشاركة التامة في صنع واتخاذ القرارات النضالية والاعتقالية في ضبط الحياة الداخلية للأسرى من جهة، ووضع برامج المواجهة والصمود ضد سياسة السلطات الإسرائيلية وانتهاكاتها وإجراءاتها القمعية التي تصب في تجريد المناضلين من قيمهم السياسية والوطنية، وافراغ محتواهم الإنساني والاخلاقي والاجتماعي تجاه قضايا شعبهم في الارض المحتلة.

 

ان تجربةالسجن والاعتقال تتطلب من اجل تجاوزها العديد من عوامل الصمود وأهمها  توفر القناعة النضالية بالقيمة الإنسانية والأخلاقية للإنسان وقضيته الوطنية، والعمل من اجل رفدها بالمزيد من الركائز المعنوية والروحية،  التي وفرتها  للأسرى السورين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل من خلال مسيرتها الكفاحية ضد السلطات الإسرائيلية، وكانت رافدا من روافد صمود الأسرى في معاركهم الاعتقالية، وشكلت العلاقة العضوية ما بين الداخل والخارج معادلة الصمود البطولية التي يفتخر بها ابناء الجولان،وكل مناضلي الحرية في الارض المحتلة وخارجها...

 

ان معادلة الصمود تلك  ما زالت مجبولة بآهات وأوجاع وإمراض عشرات الأسرى المحررين وشهيد مضى... وما زالت تضئ نورها بفعل دماءه التي تجف بعد، وخلايا سرطانية أصابت جسد أسير اخر، ما زال في قلب المعركة بعد تحرره.. لكنها معركة الموت مقابل الحياة.. معادلة ما زال وقودها شرايين قلب اسير اخر، ما زال هناك في قلب المعركة وحيدا سوى من ايمانه بحريته وحرية شعبه.. معادلة الصمود الجولانية ما زالت تنتظر اجوبتها من صناع القرار.. معادلة تقيحت جراح أبطالها  مرة بفعل الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية، ومرة وما تزال مستمرة بفعل تغيب تلك الجراح والغاء حقيقتها، من اجندة الدعم والاهتمام الوطني لصناع القرار...

 

ومنذ عدة اعوام مباركة ...تعود السيمفونية الوطنية الإعلامية  مع استبدال الأعداد وبعض الاسماء لتبشرنا ان " ثلاثة وعشرين عاما وأبطالنا داخل السجون الإسرائيلية، يواجهون المحتلين، بصمود وفخر وإباء، وينقلون إلينا وعبر رسائلهم المهربة تحياتهم إلى الوطن والشعب والقائد، هؤلاء الأبطال يسطرون أروع الملاحم البطولية، ويقولون للجلاد النازي اضرب ما شئت، فنحن جند اوفياء........"  سمفونية لم تعد تشبه آيا من وسائل الدعم والإسناد، بحكم إن سنوات الأسر والاعتقال الطويل قد فعلت فعلها من التآكل والاندثار، ولم يتبقى  سوى الخطابات والشعارات والأحاديث والاستجداءات والبطولات الفردية الجوفاء التي لا تمت للواقع بصلة واحدة..... الا يستحق أولئك الجنود منا توجيه هديه إليهم في العمل الجاد والمتواصل لانتزاع حريتهم، ام سنبقى ننتظر وإياهم  لحظة او أيام وداعهم الاخير.. الواحد تلو الأخر، ام سنبقى وإياهم أسرى في ماكينات الإعلام الرسمية.....